يافع نيوز -ارم
وسط المشهد المتسارع، يبرز الجنوب بوصفه ساحة اختبار معقدة لتوازنات سياسية وأمنية متشابكة، تتجاوز ثنائية الصراع التقليدي. فالتباين الظاهر بين الحوثيين وجماعة الإخوان المسلمين لا يعكس بالضرورة مواجهة صفرية، بقدر ما يكشف عن استفادة متوازية لكلا الطرفين من حالة الفوضى وتراجع خصومهم.
ويُعد إحباط المخطط الإخواني لاستهداف العاصمة المؤقتة عدن تطوراً أمنياً لافتاً، لما يحمله من دلالات تتجاوز الحدث الميداني. إذ نجحت قوات العمالقة الجنوبية، مطلع الأسبوع، في إفشال تحرك منظم تقوده مليشيات مرتبطة بالإخوان انطلقت من تعز، بهدف إحداث اختراق أمني داخل المدينة، مستغلة أجواء الضغط السياسي والترقب التي تشهدها عدن.
وبحسب مصادر محلية وتقارير ميدانية، جرى احتواء التحرك خلال ساعاته الأولى عبر انتشار أمني سريع أعاد ضبط المشهد ومنع انتقال التوتر إلى الشارع، ما حال دون فرض أي وقائع جديدة بالقوة أو الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة.
وتكشف هذه الحادثة نمطاً متكرراً من محاولات استثمار الهشاشة السياسية والإدارية لخلق بؤر توتر في لحظات حساسة، بما يسمح بإعادة خلط الأوراق وإرباك المشهد دون كلفة سياسية مباشرة، وهو ما يفسر تقاطع هذه التحركات مع استفادة الحوثيين من أي اضطراب يصيب الجنوب.
اتساع الهوامش أمام الحوثيين والإخوان
في هذا السياق، قال مصدر دبلوماسي غربي مطلع إن الجنوب دخل مرحلة من التعطيل السياسي المزمن، نتيجة استمرار إدارة السلطة للأدوات ذاتها دون مراجعة، ما أدى إلى اتساع هامش الحركة أمام الحوثيين وجماعة الإخوان.
وأشار المصدر إلى أن الدوائر الغربية تنظر إلى الجنوب اليوم باعتباره نقطة اختناق قابلة للانفجار، تُستنزف فيها الموارد لإدارة أزمات متلاحقة، بدلاً من بناء نموذج حكم مستقر. وأضاف أن هذا الواقع يخلق بيئة زمنية ملائمة للطرفين، حيث تتآكل أولويات المواجهة المباشرة لصالح صراعات داخلية وردود فعل متأخرة.
ولفت إلى أن مؤشرات المرحلة الأخيرة تُظهر استقراراً نسبياً في بنية القرار الحوثي، مقابل ارتباك واضح في الجبهة المقابلة، مع انتقال مركز الثقل من التخطيط الاستراتيجي إلى إدارة الأزمات، ما ينعكس على الحسابات الإقليمية المرتبطة بأمن الملاحة والتهديدات العابرة للحدود.
إدارة النفوذ بدل تثبيت الحكم
من جانبها، ترى مصادر سياسية يمنية أن ما يشهده الجنوب يرتبط بخيارات سياسية ركزت على إدارة النفوذ أكثر من ترسيخ مؤسسات الدولة، وهو ما أضعف الأداء التنفيذي وخلق فراغات إدارية استثمرتها شبكات حزبية، وفي مقدمتها الإخوان، للعودة إلى مواقع التأثير دون مواجهة مباشرة.
وتؤكد هذه المصادر أن الإخوان أعادوا تموضعهم داخل مفاصل القرار عبر أدوات إدارية وتنظيمية، مستفيدين من غياب رؤية مركزية واضحة لإدارة الجنوب، في وقت يراقب فيه الحوثيون هذا المشهد باعتباره فرصة استراتيجية لتخفيف الضغط عن صنعاء وإدارة ملفاتهم بثبات أكبر.
تعقيد الجبهة المناهضة للحوثيين
ويرى باحثون في الشأن اليمني أن هذا المسار ساهم في تعقيد الجبهة المناهضة للحوثيين، إذ أدت الانقسامات الداخلية والتدخلات الإقليمية إلى إضعاف أي مشروع وطني جامع، ومنحت الجماعات المنظمة مساحة لإعادة التموضع السياسي.
ويشير مراقبون إلى أن الحوثيين لا يحتاجون إلى تحركات ميدانية مباشرة في الجنوب، بقدر حاجتهم إلى استمرار تعطّل خصومهم واستنزافهم إدارياً وأمنياً، فيما تعمل جماعة الإخوان بهدوء على إضعاف أي مسار يتجه نحو حسم سياسي أو عسكري شامل.
تفريغ الجنوب سياسياً
وفي المحصلة، يحذر محللون من أن استمرار هذا النهج يهدد بتكريس الجنوب كساحة استخدام سياسي، مع انتقال ثقل الصراع من مواجهة مشروع الحوثي إلى إدارة توازنات داخلية، بما يُفرغ الجنوب سياسياً ويعقّد أي تسوية مستقبلية.
ويجمع هؤلاء على أن إعادة ضبط إدارة الجنوب على أسس مؤسسية واضحة، وإغلاق المسارات التي تُنتج مكاسب مجانية للحوثيين والإخوان، باتت شرطاً أساسياً لأي مسار جاد نحو استعادة الدولة وإنهاء حالة الفوضى.